يوم نزلتُ من العرش
لم أتوقف عن السير, لم يزعجني الزحام و الضوضاء و لا رائحة الهواء, كنت أشعر بارتياح و اتزان داخلي افتقدته طوال عمري, لم أشعر بنظرات تخصّني, حتى طريقتي في التدخين لم تسترع انتباه أحد من الكتل البشرية التي كنت أسير بينها, و بالتدريج بدأت أشعر بأنني مجرد جزء من كتلة, يزداد ارتياحي.. و يزداد ارتياحي أكثر كلما أحسست باتساع و امتداد الكتلة التي أنتمي إليها.. بدء هرمون الارتياح يتحول تدريجياً إلى هرمون السعادة.. نعم أشعر الآن بسعادة لا أستطيع وصفها...
أحسست أن" رغبتي المحمومة بالبكاء على كتف أحد ما لا أعرفه و لا يعرفني" قد اقتربت كثيراً من التحقق..
و سبحان الله, في تلك اللحظة التي كنت أردد فيها هذه الرغبة على مسامع احتياجي, لمحتُها على الرصيف المقابل, سمراءَ في أوائل العشرينات, ملامحها هادئة صافية, لا ترتدي حجاباً, كانت تبتسم لي, بادلتها ابتسامة, تركتُ كتلتي, و تركَت كتلتها, التقينا على الجزيرة الرصيفية الضيقة التي تتوسط الشارع الذي كان يفصل بيننا.. لم أشعر للحظة واحدة أننا بحاجة لإلقاء تحية, أو حتى لصفصفة الكلمات.. اقتربتُ منها و اقتربَت مني, احتفظنا بابتسامتينا, و زادت عليهما في عيني و عينها دمعتان لمعتا في زمن واحد, بدا كل شيء و كأنه توقف من حولنا, كأننا مركز جاذبية مجرّة لم تولد بعد.. تسارعت دقات قلبي و تضاعف صداها مع دقات قلبها, كان تزامناً و تآلفاً سحرياً يجعل من خفقتين خفقة, و من دمعتين دمعة, و من ابتسامتين ابتسامة.. يا الله, ما هذا الإبداع, ما أجمل أن يتحقق كل ما أتمناه بهذه السرعة... سأميل برأسي على كتفها, و سأظل أبكي و أبكي, سأظل أبكي على كتفٍ لا أعرفه و لا يعرفني.. سأولد من جديد..
ملت برأسي على كتفها, و مالت برأسها على رأسي.. قبّلت رأسي.. و قبل أن يبدأ طوفان بكائي و طُهري.. شعرتُ بشئ يخترق قلبي, لم يؤلمني كثيراً, لم أشأ الخروج من وهج هذا الحنين, رفعت رأسي لأري ابتسامتها من جديد, لكنها بدت مختلفة هذه المرة.. بدت ابتسامتها تحمل مفردات جديدة, تشبه السخرية, و النقمة, و الكراهية, شعرت بكياني ينتفض, وضجيج الشارع يصم أذني.. و كتل البشر التي كنت أذوب فيها منذ دقيقتين ترتسم على وجهها نفس مفردات ابتسامة السمراء التي كنت أوشك على البكاء على كتفها..
شعرت بالألم الصغير في قلبي يتوحش, يمزّقني..قدماي تعجزان عن حملي.. السمراء تحدّق بي و من حولها تلتحم الكتل جميعاً فتصبح كتلة ضخمة من بشر يحدقون في عيوني, يبتسمون, يتمتمون, و يلعنونني..
امسكت بالسكين, اقتلعته من قلبي, وضعته بجانبي فوق بحر دمائي التي سرى فيها هرمون السعادة و الذي كان يوشك على التحول إلى هرمون الاكتفاء..
ناديتها باسمها: "تعالي يا سمراء", لا زلت أريد البكاء على كتفك..
أجابتني: تعجبني طريقتك في التدخين, ثم جلسَت على ركبتيها... ارتاحت رأسي على كتفها بعد أن عادت ابتسامتها الأولى صافية هادئة..و ظللت أبكي و أبكي و أبكي حتى الموت!
يا خي أحّه..












