‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجليات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجليات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، أبريل ٢٣، ٢٠٠٧

فيتونيا و الإبريق

لست بحاجة لتذكرك كلما أفقت من نومي, فأنت تجيدين حياكة السعادة و القلق, و أشياء أخرى..
تحتسين تجربتي و تغفين.. حين أبدأ بالتثاؤب, تعرفين كيف تبدأين.. و أين لا تنتهين..
لم يعد يمزقني الفضول يا فيتونيا لتوقع المشهد القادم, لن يهمني إن كان في باحة ضريح انتحار الضوء, أو في شرفة تطل على حكايات التبغ و البخور و الكحل العتيق.. أو حتى بجوار مدفأة يلعب وهجها ألعاب الظل على حائط خشبي لا يحمل صورتينا..
توقع المشهد القادم.. و توقع متى أو أين أو كيف تأتين, لعبة خاسرة يا فيتونيا..
كم بات يبهجني الاستسلام معصوب العينين لدغدغةٍ ستلمس اختباءً آخر لا أعرفه, و لا أريد التكهن به..
طال غيابك كثيراً هذه المرة يا فيتونيا.. حين جئت آخر مرة كنت تمتطين شجرة زيتون تزدان بذكريات أحبها, و ملء كفيك زهور الياسمين المنداة برحيل الوجع.. ترتدين ثوباً من نور حاكته سبع نجمات في زمن لم يأت بعد..
.............................
انتهى



فوزي: أحه يا بو الليل إيه أم الهرتلة بالنحوي دي, بتشتغلني زي "تشتهينا المسافة" صح؟
أبو الليل: أهلاً أهلاً بسبع البرمبة جيت من هناك إمتى يا فوزي, تصدق ليك وحشة و الله, جبتلنا معاك شوية فستكونيا من هناك ؟
فوزي: ما تغيرش الموضوع يا بو الليل أنا مش فاهم حاجة من البقين اللي فوق غير إتك لما بتنام بتحلم بمزه شديدة اسمها فيتونيا و شكلها من بلاد بره, و باين عليها نغشة و لونة, بس المشكلة إني قريت البوست عشرين مرة و مش لاقي أباريق خالص, مع إن عنوان البوست "فيتونيا و الإبريق" غلب حماري يا بو الليل.. قوللي بجد هو فين الإبريق ؟
أبو الليل: منتا قاعد عليه يا فوزي.. شكلها وسعت قوي يا فوزي..


يا خي أحه..

الجمعة، أبريل ٠٦، ٢٠٠٧

فوزي في الغوّاصة


نقلت توتري و حالتي المزاجية السيئة لكل كائنات تلك الجزيرة المجهولة, و التي اضطررت للرسو على شاطئها بعد أن نفذ مخزون الأكسجين و الوقود من غواصتي الخضراء الصغيرة..
يبدو أن بن يقظان و روبنسون كروزو و توم هانكوزو و غيرهم كانوا أكثر هدوءاً و حكمة مني في هذه التجربة..
أن تقودك الظروف للحياة وحيداً في مكان بكر لم تطأه أقدام الحضارة و المدنية..
ليتني كنت أحضرت مزيدا من السجائر..
كنت أردد تلك العبارة و أنا في قمة الغضب, و تصادف مرور وحيد القرن و معه صغيره, فلما بادرني بالتحية و الترحيب بسلامة الوصول, أشحت عنه بوجهي و نهرته بنبرة حادة قائلاً: "طبعاً ما عندكمش سجاير و لا شيشة و لا أي حاجة في جزيرتكم الفقرية دي", فنظر لي بازدراء و قال: "ما ترد السلام طيب, أما انك واطي و قليل الأصل صحيح. بعدين إيه الغواصة العرّة بنت الوسخة اللي انت راكبها دي؟ عموماً أنا عامل دماغ فستكونيا و مش حضيعها عالهبل ده, بعد ما انتخب ليا كلام تاني معاك..سلام", وقبل أن ينهي عبارته اندفع صغيره في اتجاهي مسنتراً قرنه الوحيد في مرمى مؤخرتي لكن الأب صاح في آخر لحظة: "سيبك منه يا بني ده برضه ضيفنا".
ذهبت إلى غواصتي أفتش عن ما تبقى من طعام و شراب, و أدركت أن ما حملت لن يكفيني أكثر من ثلاثة أيام, فازداد غضبي, و خصوصاً حين اكتشفت أنه لا توجد أي علامة تدل على وجود تغطية إرسال لهاتفي النوكيا الذي ابتعته الشهر الماضي من شارع عبعزيز بالضمان.. و طبعاً البطارية ستحتاج لإعادة شحن حتى أتمكن من تسلية وقتي بالاستماع إلى الأغاني أو الاستمتاع ببعض الألعاب البضان .. و أثناء انشغالي بالتفكير في مصيري الكارثي على هذه الجزيرة, مر فيل رمادي بخرطوم معقود, ففعل مثل مواطنه وحيد القرن مرحباً بي و مهنئاً على سلامة الوصول, فصرخت في وجهه: "أكيد ما عندكمش شاحن نوكيا و لا بيتزا و لا أي زفت في جزيرتكم المخروبة دي, بعدين أيه أم زلومتك أم عقدة دي؟ هي ناقصة تعقيد بروح امكم؟"
نظر لي الفيل باستغراب و استهجان قائلاً: "بالراحة علينا يا كابتن, لولا إنك ضيفنا كنت طللعت ميتين أهلك بعدين إيه الغواصة المسخرة اللي جايلنا بيها دي؟, عموماً بعد ما انتخب ليا كلام تاني معاك..سلام"
تمتمت بيني و بين نفسي: " أحه.. إيه الجزيرة المناخوليا دي؟ انتخابات إيه بس اللي مسروعين عليها, أنا شكلي وقعت في نقرة هرتلة و لا حدش سمى عليا"
كِمْلت.. أهو الأخ غوريلا شّرف و جاي ناحيتي: "ألف حمد الله عالسلامة.. الجزيرة نورت حقيقي"
سألته بفظاظة: "خيلتوني منك ليه, إرحموا أمي و خللوني أشوف حعمل أيه في سنتي اللي مش فايتة, روح يا عم انتخب و حل عن سمايا"
"ها ها ها ها إيه الغواصة بنت القحبة اللي راكنها عالشط دي,شكلك عبيط ياد, راجعلك.. بس بعد ما انتخب ليا كلام تاني معاك..سلام"

كنت قاعد بولول زي النسوان, و بقول: الحقيني يامّا شوفتي اللي بيحصل لضناكي, و أثناء الولولة كنت بضرب كيس شيبسي لأسُدّ به بعضاً من جوعي..

مرت الساعات و أنا أتأمل نصيبي و حظي المنيّل قابعاً في غواصتي الخضراء الصغيرة التي نفذ منها الأكسجين و الوقود و بضعة أكياس من الشيبسي و لوحين من الشيكولاتة المبندقة (اللي فيها بندق)..
دخل الليل برهبته, و أصبح المكان شديد الوحشة..
بدأت ثورتي تخمد تدريجياً..تبدل الغضب إلى شعور بالانكسار... و الخوف, لم أستطع مقاومة دموعي التي انهمرت بغزارة لأول مرة منذ زمن بعيد.. بعيد جداً... على ما يبدو, نسيت طعم ملح الدموع, نسيت كيف كنت أترجم أوجاعي إلى بكاء, بدلاً من تحويلها إلى قسوة.. قسوة على نفسي و على من حولي.. ياله من جبروت مزّيف ذلك الذي نخترعه لأنفسنا ذات وجع, لندفن انكساراتنا تحت أساسات خرسانية مسدودة المسام.. لا تسمح لذرة أكسجين واحدة بالمرور.. ها هو الأساس الخرساني يتشقق, و ها هي المياه المالحة تنخر في أسياخ الحديد.. تتفتت شيئاً فشيئأ.. تنفجر الأرض المصنوعة.. و تظهر من جديد الأرض الأم.. يتسلل الأكسجين من جديد ليقبّل أرضه المسجونة تحت توابيت العلب الممسوخة.. (مزيكا حزايني مضروبة في الخلاط مع تلج مجروش)
كان هدير البحر يغازل ظلال النور التي حاكها قمر يقصّ الحكايات لنجمات و غيمات.. للرمال.. و لغابة مسحورة تنعس في حضن الجبال و لا تنام..
كيف لم أر كل هذا الجمال؟
تبدد الخوف.. تبدد انكساري.. ملأت صدري بذلك الهواء الجديد.. استنشقت حنيناً إلى حنين لم أتذوقه من قبل..(مزيكا متفائلة من متتابعة إنشكاح اليعسوب العائد إلى غيط الكستناء)

طرقات على نافذة غواصتي الخضراء الصغيرة..
خرجت..
وحيد القرن.. و الفيل و الغوريلا يتقدمون آخرين.. تعلو وجوههم ابتسامات ودودة (من المودة مش من التدويد)..
"بقيت أحسن دلوقتي؟"
قالوها و هم يحملون لي سجائراً و بيتزا (سي فود) و شاحن نوكيا أصلي (مع مولد كهربا)
لم يعطوني أية فرصة للاعتذار..
وضعوا الأغراض جانباً, ثم حمل كل منهم آلة موسيقية و غنوا جميعاً أغنية تتحدث عن الحب و الرضا و الوطن (من مقام بياتي اللا)..
سألتهم بعد أن شكرتهم: "هو انتوا انتخبتوا بجد؟ يعني عندكم انتخابات و استفتاءات زينا؟"
فشخر أحدهم (لم أتبين ملامحه عشان كان واقف ورا و الدنيا ضلمة)
" خخخخخ أحه.. يعني هو ده اللي لفت نظرك بروح خالتك؟ أمال ليه ما استغربتش من إن عندنا سجاير و بيتزا و شاحن نوكيا؟؟"
لحقت نفسي قبل ما يتأكدوا من هطلي و غبائي المتأصل: "لا يا عم الحاج انت فهمتني غلط, أنا كان قصدي هو الانتخابات و الاستفتاءات مضروبة عندكم زي عندنا؟"
أنا قلت البق ده من هنا و عينك ما تشوف إلا النور.. الحشد كله وقع على الأرض في نوبة من الضحك الهيستيري رجت أركان الجزيرة الهادئة.
سألت وحيد القرن (اللي بيعمل دماغ فستكونيا): "إيه يا معلم هو انا قلت حاجة غلط؟ همه بيضحكوا على إيه؟"
أجابني و هو لا زال يقهقه مقلوباً على قفاه: "هو انت جاي من هناك؟ نياهاهاها..."
...........................
انتهى..

الهي أشوف فيك يوم يا فوزي يا فاضحنا في كل حتة..



يا خي أحه..

الأربعاء، فبراير ٢٨، ٢٠٠٧

قفل و مفتاحه

ياسر أحمد/سوريا

ده إيه الذل ده!
القفل تعب من كتر الفتح؟
و لا المفتاح زهق؟
و لا صاحب الاتنين اهطل؟
و لا ده تبع سياسة التحييد على سبيل الزمبقة من فاعل خير؟

مدام جابت خراها
إياك تجري وراها
(مثل شعبي تخاذلي)

يا خي أحه..

السبت، فبراير ١٧، ٢٠٠٧

مرثية البحور المحروثة



تناول كوباً من لبن العصفور ثم ذهب لحرث البحر..
و قبل أن ينتهي من حرث البحر بوقت قصير اصطدم معوله بالخير الذي عمله أحدهم ثم رماه في البحر دون انتظار لمكافأة أو حتى لكلمة شكر, سالت الدماء من الخير المرمي و ظل يصدر أنيناً خافتا تشبهه الموسيقى و لا يشبهها, فانفطر قلب فوزي حزناً و عض أصابعه ندماَ حتى انفصلت عن كفيه, لم يتبق من أصابعه العشرة سوى وسطى اليمنى..
مرت الأيام و قلب فوزي المنفطر لا يتوقف عن النزف, و مقلتاه لا ترتاحان من ذرف الدمع, و صوت الأنين الخافت الذي تشبهه الموسيقى و لا يشبهها يمزق الدنيا من حوله, لم يعد فوزي يسمع صوتاً سواه, و لم يتحرك من أمام القبر الذي صنعه "للخير المرمي" بعد أن قام بدفنه وسط البحر المحروث, ثم زيّنه بورود مكلومة لا تحيا و لا تموت.. لكنها ترقص كبلورات الملح في جرح لا يندمل, و تذوب مع الأنين كقطعة سكّر في حنين لا يكتمل.. عذوبة الألم أنت, أم ألم العذوبة أنت أيا أنيناً لخير نسيه صاحبه ذات يوم..
ذلك الصباح كان مختلفاً.. حين مر الغريب ببحر فوزي, و حين اقترب منه حيث ينوح, وسط البحر المحروث و أمام قبر يزدان بورود مكلومة..
بحثت كثيراً يا فوزي في كل البحور المحروثة..
نجحت في جمع كل الخير الذي رميته في كل البحور..
و تبقّى خيرٌ واحدٌ.. نسيت في أي بحرٍ رميتُه..
و حين تذكرت..
جئت لبحرك يا فوزي..
فعلمت أنك وجدت آخر خير صنعته..
آخر خير رميتُه في بحر..
لا تذرف الدماء و الدموع يا فوزي..
أنا هنا لأشكرك..
لأنك طهرتني من آخر حماقاتي..
خلصتني من أسوأ ألقابي..
لن أحمل لقب "العبيط" مرة أخرى..
و لن يركلوا مؤخرتي بعد اليوم..
وضعت كل الخير الذي قدمته لهم أمام أعينهم..
لم يستطع أحدهم إنكار خيري عليه..
ما أجمل انحناء رؤوسهم اعترافاً بالجميل..
ما أحلى انكسار عيونهم خجلاً من المعروف..
لذة المَنّ ليس كمثلها لذة.. صدقني يا فوزي..
سلمت يداك و معولك يا فوزي..
أدام لك الله إصبعك يا فوزي..
منذ الآن أنت صديقي..
أنا خلّك الوفي يا فوزي..
مضى الغريب عائداَ من حيث أتى بعد أن قام بنبش القبر, حاملاً معه خيره الذي رماه لينساه..

و تبخر صوت الأنين..
و عاد الصمت..
جف الدم و الدمع.. و سافرت الورود..
التقط فوزي معوله مرة أخرى و ذهب ليكمل حرث جزء صغير من بحر كان قد أوشك على حرثه, و لحسن الحظ كان يمتلك إصبعاً (وسطى اليمنى), و لحسن الحظ أيضاً نال صداقة الخلّ الوفي ذلك الغريب الذي مر ببحره مرتين في أحد عهود المشمش..

قبل خلوده للنوم و قد أنهكه التعب بعد أن أتم حرث البحر, كان فوزي يبتسم بخبث و هو يحكّ جبهته بإصبعه الوسطى و يقول: بس إياكش يطمر يا عم العبيط...
........................

يا خي أحه..

الأحد، يناير ١٤، ٢٠٠٧

يوم أينعت رأسي و حان قطافها



أخبرني بعد أن فجّر رأسي برصاصة واحدة أن الآمر ليس شخصيا, و أنه يقوم بواجبه فحسب, ثم دعاني لتناول العشاء في منزله الذي لا يبعد عن موقع استشهادي سوى بضعة أميال..
حملني إلى سيارته, و مدّد جسدي على المقعد الخلفي, ثم انطلق بنا عبر الشوارع المكتظّة برجال و نساء و صغار فقدوا رؤوسهم مثلي.. طلبت منه أن يرفع صوت المذياع قليلاُ لأتمكن من سماع اسمي ففعل, تنفستُ الصعداء حين نطقت المذيعة - بصوتها الدافئ- اسمي الثلاثي و حين دعت لي و لرفاقي بان يتغمّدنا الله برحمته و ان يسكننا فسيح جنّاته..
وصلنا إلى البناية, حملني مرّة أخرى و صعد بي إلى الطابق الثالث, طلب من زوجته أن تعدّ لنا العشاء, ثم جلسنا نحتسي الشاي, بعد أن شبعت و استعدت عافيتي و اتزاني.. تحدثنا و تسامرنا و ضحكنا حتى وقت متأخر, و حين هممت بالنزول أخبرني بأنني قد أتألم قليلاً حين أفيق من نومي في الصباح, و أن هذا شيء عادي لا يدعو للقلق و لن يستغرق سوى بضع ساعات, فحين فقد و زوجته رأسيهما في الأسبوع الماضي عادت الأمور إلى طبيعتها بسرعة....ناولني مسدسه بعد أن أعاد حشوّه.. شكرتُه و زوجته على كرم الضيافة, غادرت متوجهاً إلى منزلي, فضّلت السير عن استقلال الحافلة, كنت أشعر بكثير من الارتياح بدون رأسي الذي لطالما جثم على عنقي, و لطالما استهلك ميزانيتي على تلك الحبوب المسكّنة التي أدمنتها أخيراً.. ما أجمل ملامسة هواء الليل البارد لجسد لا يحمل رأساً.. قبل أن أخلد للنوم بعد هذا اليوم الحافل... تحسست مسدسي و تأكدت من أنه محشوّ بست طلقات ثم وضعته تحت وسادتي و دعوت الله أن يثبّتني, فغداً ينبغي عليّ أن أقوم ببعض الواجبات..

انتهى
..............................



السطور السابقة مهداه إلى من فقدوا رؤوسهم في وطن لم يعد يقوى أبناؤه على حمل الرؤوس..
على بعد أمتار قليلة.. يبتسم هذا أو ذاك لأنه وفّر ثمن رصاصاته فهو يكاد لا يجد مزيداً من الرؤوس ليفجّرها !!
.................................



يا خي أحه..

الجمعة، يناير ١٢، ٢٠٠٧


السبت، يناير ٠٦، ٢٠٠٧

أورجزمه


...بعد مرور أقل من ساعتين على خروجه من البيت بحجة السفر إلى الاسكندرية في مهمة عمل كما أخبرها, عاد فوزي ثانية للبيت استكمالاً لخطته في مفاجأة فوزية بعد أن اطمأنت إلى رواية سفره و تغيبه لبضعة أيام... خلع حذاءه و أدار المفتاح بهدوء, تسلل إلى الشقة على أطراف أصابعه متوجهاُ إلى غرفة النوم.. وحين اقترب من باب الغرفة الموصد, تسارعت ضربات قلبه وهو يتخيل مشهد وقع المفاجأة في عيون فوزية.. تصبب العرق من جبينه, و شعر بمزيد من التوتر, ثم بشيء من الجوع.. فاتجه ناحية المطبخ ليسكت معدته قليلاً قبل قيامه بمباغتته الموعودة, كان لا يزال يحمل حذاءه.. فتح باب الثلاجة فوجدها خاوية إلا من بيضتين يتيمتين, قام بخفقهما في كوب, شربهما دفعة واحدة, ثم تجشأ, توجه فوزي ثانية إلى غرفة النوم و فتح الباب عنوة.. فوجد فوزية تغط في نوم عميق.. جلس إلى جوارها و أيقظها بقبلة على جبينها (و كان لا زال يحمل حذاءه)..
كل سنة و انتي طيبة يا حبيبتي..
سألته بنبرة متثائبة: هو انت ما سافرتش يا فوزي؟
لا يا حبيبتي.. كنت عايز أفاجئك في يوم عيد ميلادك..
فاجئتني بجد, عليك لفتات و حركات مالهاش حل يا فوزي..
فوزية ممكن تسامحيني؟
على أيه يا حبيبي؟
ما جبتلكيش هدية معايا..
كفاية عندي يا فوزي إنك افتكرت و فاجئتني كالعادة باحساسك و حنية قلبك, ده عندي بالدنيا, ده أجمل هدية..
ربنا يخليكي ليا يا فوزية, أصيلة و الله, لولا الملامة كنت جبتلك الدنيا بحالها..
عيب يا فوزي ما تقولش كده, أزمة و حتعدي, الفلوس بتروح و تيجي, و الحب هو اللي بيفضل, انت زادي و زوادي و دنيتي..
بحبك يا فوزية..
بعشقك يا فوزي..
ضمها إلى صدره بشوق و هو لا يزال يحمل حذاءه..
تبادلا الاشتياق بلهفة.. حتى الارتواء, و كان لا يزال يحمل حذاءه..
في هذه الاثناء كان هناك رجل في المطبخ يفتح باب الثلاجة ثم يندهش لعدم وجود بيضتين وضعهما بيديه قبل خلوده للنوم مبكراً كعادته, أغلق باب الثلاجة و هو يستشيط غضباً متمتماً: مراتي هاجراني بقالها سنتين قلنا ماشي أنا غلطت كتير في حقها و وريتها أيام سوده, بس تقوم تاكل البيضتين اللي حيلتي و أنام من غير عشا, دي تبقى سفالة وقلة أصل, الله يحرقك يا فوزية يا بنت المفجوعة,يلعن ميتين أهلك.. توجه إلى غرفته المجاورة لغرفة زوجته و أغلق الباب متمتماً بمزيد من اللعنات..

انتهى.
..............................

يا خي أحه..

السبت، ديسمبر ٢٣، ٢٠٠٦

طاقية فوزي على راس السنه


... المهم فوزي لبس طاقية الإخفا و لف سيجارة و عدّى على القهوة اللي متعود يقعد عليها مع صحابه, و سمع بودنه كلام زي الزفت عمره ما توقع إنه يسمعه من أعز صحابه: فوزي ده شخصية وسخة, ده بني أدم زبالة, ده واد نتن ابن قحبه...... بعد تجاوز الصدمة, فوزي قلع الطاقية و واجههم باللي سمعه, قالوله: محنا عارفين انك كنت لابس طاقية الإخفا و بتراقبنا, هو انت مش ناوي تستحمى يا فوزي؟ فوزي طلّع المسدس من جيب السويتر و طاخ طاخ طاخ خلّص عليهم واحد واحد..... و قبل ما يتعدم بيوم لبس طاقية الإخفا و خرج من السجن بالبدلة الحمرا, و سهر ليلة راس السنه في كباريه محترم, بعدين اشترى ورد و حطه على قبور أصحابه و قعد يبكي لحد ما خلصت دموعه, الوقت كان متأخر و الدنيا كحل و الجو تلج, و باقي عالفجر ساعة.... فوزي حس إنه محتاج يشرب حاجة سخنه, سمع صوت من بعيد بيقوله: تسلفني الطاقية خمس دقايق و تاخد بق شاي يا فوزي؟ فوزي رد: خليهم بقين.. صمت الصوت قليلاً ثم قال: مش حنختلف, إخلص يا فوزي..
فوزي قلع الطاقية, و في لمح البصر اكتشف إن البوليس محاصر المقبرة من كل حته و طاخ طاخ طاخ.... جسم فوزي اتخردق من الرصاص, و تحول لون بدلة الاعدام من الأحمر إلى الأبيض..... غفر الله لنا ذنوبنا و أدخلنا فسيح جناته.

انتهى
.......................................

فقرة اختيارية (غير إجبارية):

الدروس المستفادة:

لازم نستحمى.
لازم ما نشربش حشيش.
لازم ما نقلعش طاقية الإخفا.
.............................

يا خي أحه..

الاثنين، ديسمبر ٠٤، ٢٠٠٦

يوم نزلتُ من العرش



نزلت من بيتي أمس دون ارتداء السترة الواقية من الرصاص, ترجلّت على قدميّ و لم أستقل السيارة المصفّحة, لم يحط بي أحد من المرافقين أو الحرس الخاص..خرجت من بيتي دون موكبٍ يمتد عشرات الأمتار, سرت بين الناس كفرد عادي, لا يميزني عنهم سوى خريطتي الجينيّة, بصمات أصابعي, طريقتي في التدخين, و رغبتي المحمومة في البكاء على كتف أحدٍ ما.. لا أعرفه و لا يعرفني..
لم أتوقف عن السير, لم يزعجني الزحام و الضوضاء و لا رائحة الهواء, كنت أشعر بارتياح و اتزان داخلي افتقدته طوال عمري, لم أشعر بنظرات تخصّني, حتى طريقتي في التدخين لم تسترع انتباه أحد من الكتل البشرية التي كنت أسير بينها, و بالتدريج بدأت أشعر بأنني مجرد جزء من كتلة, يزداد ارتياحي.. و يزداد ارتياحي أكثر كلما أحسست باتساع و امتداد الكتلة التي أنتمي إليها.. بدء هرمون الارتياح يتحول تدريجياً إلى هرمون السعادة.. نعم أشعر الآن بسعادة لا أستطيع وصفها...
أحسست أن" رغبتي المحمومة بالبكاء على كتف أحد ما لا أعرفه و لا يعرفني" قد اقتربت كثيراً من التحقق..
و سبحان الله, في تلك اللحظة التي كنت أردد فيها هذه الرغبة على مسامع احتياجي, لمحتُها على الرصيف المقابل, سمراءَ في أوائل العشرينات, ملامحها هادئة صافية, لا ترتدي حجاباً, كانت تبتسم لي, بادلتها ابتسامة, تركتُ كتلتي, و تركَت كتلتها, التقينا على الجزيرة الرصيفية الضيقة التي تتوسط الشارع الذي كان يفصل بيننا.. لم أشعر للحظة واحدة أننا بحاجة لإلقاء تحية, أو حتى لصفصفة الكلمات.. اقتربتُ منها و اقتربَت مني, احتفظنا بابتسامتينا, و زادت عليهما في عيني و عينها دمعتان لمعتا في زمن واحد, بدا كل شيء و كأنه توقف من حولنا, كأننا مركز جاذبية مجرّة لم تولد بعد.. تسارعت دقات قلبي و تضاعف صداها مع دقات قلبها, كان تزامناً و تآلفاً سحرياً يجعل من خفقتين خفقة, و من دمعتين دمعة, و من ابتسامتين ابتسامة.. يا الله, ما هذا الإبداع, ما أجمل أن يتحقق كل ما أتمناه بهذه السرعة... سأميل برأسي على كتفها, و سأظل أبكي و أبكي, سأظل أبكي على كتفٍ لا أعرفه و لا يعرفني.. سأولد من جديد..
ملت برأسي على كتفها, و مالت برأسها على رأسي.. قبّلت رأسي.. و قبل أن يبدأ طوفان بكائي و طُهري.. شعرتُ بشئ يخترق قلبي, لم يؤلمني كثيراً, لم أشأ الخروج من وهج هذا الحنين, رفعت رأسي لأري ابتسامتها من جديد, لكنها بدت مختلفة هذه المرة.. بدت ابتسامتها تحمل مفردات جديدة, تشبه السخرية, و النقمة, و الكراهية, شعرت بكياني ينتفض, وضجيج الشارع يصم أذني.. و كتل البشر التي كنت أذوب فيها منذ دقيقتين ترتسم على وجهها نفس مفردات ابتسامة السمراء التي كنت أوشك على البكاء على كتفها..
شعرت بالألم الصغير في قلبي يتوحش, يمزّقني..قدماي تعجزان عن حملي.. السمراء تحدّق بي و من حولها تلتحم الكتل جميعاً فتصبح كتلة ضخمة من بشر يحدقون في عيوني, يبتسمون, يتمتمون, و يلعنونني..
امسكت بالسكين, اقتلعته من قلبي, وضعته بجانبي فوق بحر دمائي التي سرى فيها هرمون السعادة و الذي كان يوشك على التحول إلى هرمون الاكتفاء..
ناديتها باسمها: "تعالي يا سمراء", لا زلت أريد البكاء على كتفك..
أجابتني: تعجبني طريقتك في التدخين, ثم جلسَت على ركبتيها... ارتاحت رأسي على كتفها بعد أن عادت ابتسامتها الأولى صافية هادئة..و ظللت أبكي و أبكي و أبكي حتى الموت!


يا خي أحّه..

الثلاثاء، نوفمبر ١٤، ٢٠٠٦

فوزي الكلب؟


و بينما كان على وشك إنهاء الأمر..توقف كل شيء عن التحرك ثم انكمش, بعد أن نظرت له وباغتته بعيونها المُحمرّة و الخالية من أي ردود أفعال: إنت ليه ما صلحتش السفون يا فوزي؟
فوزي فضل ثابت على وضعه لبعض الوقت و قد جحظت عيناه استغراباٌ و نقمة, قام من فوق زوجته و لبس بنطلونه و فضل يجري يجري يجري يجري حتى قطع ثلث الكرة الأرضية, فلما شعر بالتعب و أراد الجلوس في ظل شجرة أدرك أنه قد قطع مسافة كبيرة بالفعل, فها هو ذا أسد أفريقي جائع بدأ يقترب منه بعد أن اشتم رائحته التي فاحت بعد كل هذا الركض... فوزي كان في حالة غضب و استبياع جعلته ينقض على ملك الغابة و يعاجله بالركل و الخنق و العض حتى أجهز عليه, و من وقتها احترمته كل حيوانات الغابة و خافت من بطشه و نصبّته ملكاً عليها, و تسابقت زوجات الأسود و النمور و الحُمر الوحشية و الزُراف و الأفيال و أسياد القشطة للتودد إليه و مراودته عن نفسه, فاختار زوجة الأسد الصريع و ضاجعها حتى اقترب من إنهاء الأمر, فبادرها بكل إصرار و عنفوان و حزم شاخراً: مش حصلح سيفونات يا لبوة, فاهمة يا لبوة؟ فهزت رأسها بالموافقة و طالبته بمواصلة ما يفعل, زأر فوزي و هو يقذف ما بداخله, ثم طلب من النعامة أن تأتي له بكوب من الشاي, ثم نام بضع سنين..
طوال سنوات نومه كان السفون في بيته لازال بحاجة للإصلاح, و كانت زوجته لا تتوقف عن لعنه: الله ينتقم منك يا فوزي الكلب, طيب كنت صلّحه قبل ما تغور و تطفش.


يا خي أحه..

الخميس، أغسطس ٣١، ٢٠٠٦

نافذة الجنون

حين توقفت عيناكِ عن سرد حكاياتي التي ستحدث بعد موتي و موتك..
عبر تلك التلال الخضراء الصغيرة,المتناثرة.. التي تتأزر بأنهار لا تنبع من ثلج ذاب.. و لا تصب في بحر اختبأت في ملحه أساطير الظلام و النور..
تلك أرضنا أنا و أنت, أرضنا التي لم تكتسب خبرات الطبيعة و البشر.. أرضنا التي لا تحترم قوانين الفيزياء, و لا تتحمل قواعد اللغة, أرض لا يرفرف فوقها علم يحمل ثلاثة أو أربعة ألوان.. لا تجملها ألعاب الضوء بقوس يحمل سبعة ألوان..
أرض حكاياتي لك.. حكاياتي التي تجيدين سردها حين تحتبس في عينيكِ دموعي..

توقفت عيناكِ عن سردي..
الآن تتشبثين ب"هنا" ؟..
أين كل ذلك الاشتياق ل"هناك" ؟
تتراجعين بكل هذه السهولة..
مثلهم..
لن أقفز بمفردي..
لن يسرد حكاياتي سواك..

احتنضها بقسوة, و هوى معها من فوق جسر إلى قاع نهر, ينبع من ثلج ذاب, نهر يصب في بحر..

استسلم لقانون فيزيائي عند السقوط., ارتطما بسطح نهر يمر في أرض يرفرف في سمائها علم يحمل لونين كنهرين.. أرض يجيد أهلها تمزيق علم النهرين, و يجيدون حرقه, و يجيدون دهسه.. ثم يذهبون إلى المقاهي.. و لا ينتحرون حين يكتشفون أن علماً يحمل لونين كنهرين لا زال يرفرف في سماء نهر توقف عن سرد الحكايات.. نهر يحمل ماءً من ثلج ذاب.. لينتحر في بحر اعتزل أساطيره
..

الأحد، أبريل ٢٣، ٢٠٠٦

إعدل الخرطوم



كلما تقدم بنا الوقت, و تشعبت خبراتنا و تجاربنا و مشاهداتنا في الحياة, كلما افتقدنا شيئاً ما..
نفتقد ومضة دهشة, و نشتاق لرجفة انبهار, كل شئ يصبح ككل شئ..
ملمس معطفك الجلدي يصبح معتاداً بالنسبة ليديك.. حتى رائحته المميزة تصبح أرشيفاً أهداه أنفك إلى دماغك..
السيجارة تغدو بلا نكهة لأنها تهادنت مع نقاط التذوق في لسانك منذ زمن بعيد..
إيقاعات الموسيقى التي كانت تهز أعماقك تصبح مجرد ذبذبات تصالحت مع طبلة أذنك المستهلكة..
ألوان الخريف الداكنة, تمر عليها عيناك دون توقف أو حتى رغبة في تأمل عبقرية تختبئ هنا أو هناك..

حتى الكلام يصبح مكرراً معتاداً.. كلامك أنت و كلامهم هم..

لكم أتوق لتلك البدايات و الاندهاشات و الاكتشافات الأولى..
لذاذة أول قطعة شيكولاتة, لهلبة أول قرن شطة, مزازة أول ليمونة, مزجنة أول فنجان قهوة, و تولان أول شدّة معسل!
رهبة أول تزويغة , و أول حفلة سيما, و أول لقاء مع البحر..
مرارة أول هزيمة, تحليق أول انتصار..
شلفطة أول خناقة, و طبطبة أول حبيبة, و طرطشة أول بريزة!
أول ضحكة بجد, و أول دمعة بجد..
طعم أول أغنية لفيروز و لمنير و لعدوية!
أول تعرف على عم دهب و دنجل و يوسف إدريس و الفاجومي و تولستوي.. شكل الورق عطره و ملمسه!
كل هذا السحر الذي يأتي من النور و الظل و الألوان..
من ذلك الوهج الدافئ الذي يحتضن المجسمات و هي تداعب الفراغ..

أفتقد البدايات الأولى
و انا أشاهد نشرة الأخبار رقم مليون..
و لا أجد في :عناوين الأخبار" خبراً !
مقتل عشرون أو ثلاثمائة في العراق أو في فلسطين..
تنديدات تشجب, و شجب يندد..
رئيس يستقبل و يعرب عن, و يدعو إلى..
و يبدأ (الريموت) في البحث عن شئ ما.. أي شئ..
تختلط الأخبار و الأفلام و الكليبات, ثم لا تلبث أن تندمج في مزيج من متتابعات بصرية و صوتية تتحد مع ذوبان (الشيبسي) في فمي, لا أدري الحكمة في إضافة نكهة "الكباب" أو "البيتزا" أو "الشطة" إلى تلك البطاطس المقلية.. فأنا لم أعد أشعر بطعم البطاطس ذاتها..
هل أصابتني (التمسحة) و هزمني الاعتياد إلى هذه الدرجة؟
يرن جرس الهاتف فأعرف (بالتعود) أنه ينبغي علي أن أرفع السماعة.
يأتي صوت جاري الذي يسكن في الطابق الاول: التكييف بتاعكم بينقط على التكييف بتاعنا يا ريت تعدل الخرطوم.
فأجدني أبتسم أوتوماتيكياً و أبادره القول: إنت جيت في جمل يا بو حميد, هيه جت على عدلة الخرطوم؟ حعدله حالاً, و أوعدك إنه مش حينقط عليك تاني..


يا خي أحه..

الجمعة، أبريل ٢١، ٢٠٠٦

كلام مرسل و خلاص


شيفاز من غير تلج
و جن تونيك مع نص لمونة
و مارتيني للمدام
و بلودي ماري مع مزيكا (under ground) سديمية المنشأ
وحشيش مغربي (على أبوه) الذي لم يلتق به بعد..
بدأت لحظة الشعشة
و تحركت ملكة الخيال
و بدأ الكلام عن (إضطهاد) طيور السنونو
و عن نزوات الحوت اللاهي داخل المجمع الكبير الذي من حقه أن يتدلع
بدأ الكلام عن حتمية النزول للشارع
و معالجة كل أمراض الذكورة
و الفتن النائمة و المستيقظة
و عن كيفية قياس توجهات الصحافة الشعبية
و عن مفهوم (العمالة)..
و عن الارتياح لفكرة العمالة الغير مقصودة..
و عن اختلافها الشديد عن العمالة المجانية..
فن الهدايا و الهداية بمفهوم آخر..
و في كنف (الأفورة).. ستاتي كل الحلول..
لأن (الدماغ) البشري يكون في أقصى درجات (التجلّي)..
و بعد وقت قصير.. لا بد أن تبدأ جولة جديدة..
فها هو الوطن أصبح (مثالياً) بلا فتن و لا إضطهاد و لا (إخوان)..
و ها هي العلمانية تنقذ ما تبقى من رجعية و اضمحلال..
و ها هن النساء قد حصلن على كامل المساواة..
و ها هي خانة (الديانة) لم يعد لها وجود, و أصبحت جميع حقوق المواطنة مكفولة..
و ها هو وهم (القومية) يتبخر.. و الرايات (الكونية ترفرف في كل ركن)..
أصبح من حقك الآن أن تقبل حبيبتك وسط ميدان التحرير قبلة فرنسية طويلة, دون أن يضايقك أحد..
تستطيع النوم بملء جفونك دون أن يزعجك صوت الآذان.. أو حتى قرع الأجراس..
لماذا ينفذ الثلج بهذه السرعة؟
خسارة يا ابن الهبلة تكسر الشيفاز بالكولا..
خلاص خد بيرة..
مع إنها حتخليك تطرطر أكتر..

يا خي أحه..

الخميس، أبريل ٠٦، ٢٠٠٦

فوزي نياهاهاها



إذا شاءت الأقدار يوماً أن تزرع (فوزي نياهاهاها) في حياتك فستدرك طعم المرارة التي تعتصر قلبي كلما تردد اسمه أمامي, سواء من شخص مثلك مر بتجربة وجود فوزي داخل أيامه, أو استحضاراً من ذاكرتي كلما ذهب الخاطر لمكان ما, أو وقت, أو موقف ما يرتبط ب(فوزي نياهاهاها)!

ربما تستطيع أن تتخيل كيف يمكن أن تبدو الحياة في وجود شخص مثل فوزي, و لكن من المستحيل أن تتخيل كيف ستبدو الحياة بدونه ما لم تكن قد مررت بتجربة وجود (فوزي نياهاهاها) بشحمه و لحمه في حياتك!

تعرفت عليه في أولى سنوات الدراسة الجامعية.. لا, لا, عذراً أقصد اقتحم فوزي حياتي في هذه الفترة.. ليس بإمكانك أن تقرر التعرف عليه بمحض إرادتك, لأن هذا لن يحدث أبداً! يجب أن يقرر فوزي بنفسه التعرف عليك أو بالأحرى إقتحامك, و ساعتها ينفذ أمر الله و يلعب القدر المحتوم لعبته لتصبح فرداً قاده حظه العاثر للدخول في "جمعية ضحايا فوزي نياهاهاها"..
"جمعية ضحايا فوزي نياهاهاها" هو مصطلح كنا نطلقه على أنفسنا نحن الأفراد الذين وقعت عليهم فاجعة اختيار و قرار فوزي بأن نكون من أصدقائه المُقتحَمون !
بالمناسبة لم يتمكن أحدنا حتى الآن فهم و تحليل المعطيات و الحيثيات و الأسباب التي كان يقرر فوزي على ضوئها اختيار و اصطفاء شخص دون آخر ليقتحمه, لا توجد صفة أو أسلوب حياة أو فكر أو ثقافة أو اهتمامات مشتركة تجمع بيننا نحن أعضاء (الجمعية), خلص بعضنا إلى أنه مجرد شعور ميتافيزيقي لا تستطيع تلمس حدوده و أبعاده, يعني بالبلدي (حاجة من عند ربنا).. و خلص آخرون إلى أنه سوء الحظ و (ميلة) البخت لا أكثر و لا اقل..

المثير في الأمر أن كل محاولة للتحرر من اقتحام فوزي كانت تبوء بالفشل الذريع..
لم تنجح أية أساليب في إبعاد فوزي عن أرضنا و سمائنا, جربنا كل ما يخطر و لا يخطر على بالك من طرق و ابتكارات للتخلص من هذه المعضلة القدرية و لم ننجح..
كان بعد كل محاولة فاشلة يزداد التصاقاً بنا, يزداد تغلغلاً في تلافيف تلافيف أدمغتنا يلتحم بكل ذرة أكسجين تدخل رئتينا, يحرمنا من حقنا في مرور وقت قصير و قصير جداً دون أن يفتت أجواءنا و يمزق فضاءنا مخترقاً حاجز الصوت و الضوء, و تحديداً حين تنفجر من داخل حنجرته تلك ال(نياهاهاها)!

نعم يا حضرات تنفجر من فوزي تلك ال(نياهاهاها), قد تبدو في البداية مجرد (ضحكة) بصوت أجش مزعج و هذه أرق كلمات يمكن أن تصف بها ال(نيهاهاها) في بدايتها, لكنها بعد ذلك تتصاعد في قوتها و جبروتها, لتشبه صوتاً يسخر من عذوبة هزيم الرعد, ومن وداعة ضجيج ثورة بركان, ومن همس تفجير قنبلة هيدروجينية!

يكمن فتك ال(نياهاهاها) في عنصر المفاجأة, فرغم توقعك لانطلاقها في أي لحظة, لن يغيب عنك إحساسك بالمفاجأة و الصدمة و لن تصل أبداً لمرحلة الاعتياد أو التكيف مع هذه المأساة التي حلّت بحياتك منذ لحظة اقتحام فوزي لك..
ستظل تشعر بمخك ينكمش و ينكمش داخل عظم جمجمتك, ليصبح في حجم حبة فشار مجنونة ترتطم بكل زوايا ذلك الوعاء محكم الغلق.. و لا ينتهي هذا الشعور المريع حتى و أنت تغادر لمكان آخر لا يوجد فيه فوزي.. لا بد لك أن تعلم أن ال(نياهاهاها) لها توابع و أصداء لا تنتهي بسهولة, لربما تصحبك لعدة أيام.. لك أن تتخيل.. كم أنت محظوظ لأنك تتخيل فقط, و كم أنت بائس إن كنت قد جربت بنفسك ال(نياهاهاها)..

من المؤكد أن (نياهاهاها) لا تعني لفوزي أكثر من مجرد (ضحكة)..
و لنبسط الأمور.. هكذا (يضحك) فوزي..
لم يعتقد معظمنا أن فوزي يتعمد أن تخرج ضحكته بهذه الصورة الكارثية, و إن ظل نفر قليل منا يقسم باغلظ الأيمان أن فوزي يتلذذ برؤية ردود أفعالنا عند وقوع هذا البلاء الذي تجسد في صورة (نياهاهاها)..

في البداية لم تكن الهواتف المحمولة قد جاءت لتنقذنا من صوت جرس الهاتف المنزلي في الساعات الأولى من الصباح, ذلك الجرس المزعج الذي ما أن تسمعه و أنت تغط في نومك في هذا الوقت المتاخر, حتى تتمتم بدعوات و آيات ليلطف الله بنا في قضائه الذي سيحل بنا.. أو نكتفي بجملة مختصرة (ربنا يستر) و (يكفينا شر الغفلة) كما علمتنا جداتنا..
ما أن ترفع السماعة, و دقات قلبك تتسارع, وريقك يتبخر في فمك,و كلك يرتعش و ينصهر..
ما أن ترفع السماعة حتى تجد صوتاً أجشاً لن تخطئه أذنك يقول لك: (ألووووه)..
فلا يسعك إلا أن تحمد الله عز و جل على أن الأمر لا يحمل (مصيبة) و أنك نجوت من (شر الغفلة) ..
ثم لا تلبث بأن تدعو الله أن يرحمك و يريحك من شر (فوزي نياهاهاها)..
تحاول أن تستجمع نفسك, و بعضاً من ذكائك للتخلص من تلك المكالمة القاتلة بالتأكيد, فتخفض صوتك لأدنى درجاته لتوحي له أنك كنت و لا زالت تغط في نوم عميق.. و لكن هيهات يا عزيزي, كان غيرك أشطر.. فوزي يعتقد عن يقين أنه من الأفضل لك أن تستمع إليه لتشاركه إعجابه بنكتة جديدة عن أن تغط في نوم تستطيع إكماله فيما بعد, في حين أن النكتة الجديدة الطازجة لا تحتمل التأجيل!
بالمناسبة غلق السماعة في وجه فوزي أو لعن سلسفيل إللي جابوه هو حل إياك و أن تفكر به, لأنه سيعاود الاتصال ليوضح موقفه و أهمية المكالمة, و إياك ثم إياك أن تحاول سحب فيشة الهاتف, لأنك ستجد فوزي يقرع جرس باب منزلك ليطمئن عليك و ليحكي لك النكتة الجديدة أثناء تناول البقسماط مع الشاي باللبن سكر زيادة و الذي ستعده له بمحض إرادتك..
بالطبع نكتة فوزي( الجديدة) ستكون قد سمعتها و أنت لا تزال في المرحلة الإعدادية على أفضل تقدير..
هذه ليست مشكلة على الإطلاق, أن تسمع نكتة بايخة قديمة و مكررة سمعتها الف مرة !!!!
نعم و الله العظيم هذه ليست مشكلة, المشكلة ليست في النكتة ذاتها, بل فيما يتبع سرد النكتة..
و ما يتبع سرد النكتة يا عزيزي هي: نياهاهاها
هل تستطيع استيعاب سماع هذه النياهاهاها و أنت لا تزال تشعر بأنك نائم يلفك ذلك الصمت و الهدوء اللذيذ, ذلك السكون الليلي الدافئ؟
تندفع النياهاهاها لتزلزل كل ما حولك, لتتوالى الانفجارات داخلك و خارجك.. من المفترض أن العادة جرت على أن من يضحك هو من يستقبل النكتة و ليس من يرسلها, لكن فوزي كان يضرب بكل القواعد و الأعراف و المواثيق الدولية عرض الحائط (و طوله).. تنتهي النكتة فتندفع منه النياهاهاها
قبل أن يدع لنفسه مجالأ لتحسس تأثير نكتته (الجديدة) عليك, هل ضحكت؟ هل لم تضحك؟ أعجبتك أم لم تعجبك؟
ينتهي الأمر لديه عند هذا الحد, يحاول ألا يشعرك باهتمامه بنفاقك و إطرائك على حلاوة و لذاذة النكتة (الجديدة) لأنه يثق في حسن اختياره و طريقته المتميزة في السرد و الإلقاء, و يثق في أنه أسعدك و اصطفاك دون غيرك لتفوز بهذه اللحظات السعيدة المفعمة بالبهجة و الدهشة, و يا ويلك يا سواد ليلك لو انسحبت من لسانك و أخبرته أن النكتة قديمة أو انك سمعتها من قبل, لن يتركك قبل أن يعاجلك و يعالجك بأخرى تعقبها نياهاهاها أكثر و أوقع و أضخم!
هذا مثال بسيط لما يمكن ل (فوزي نياهاهاها) أن يفعل بحياتك..
الأدهى من ذلك.. أن أي شئ تعتقد أنت أنه عادي أو حتى ثقيل الظل, هو بالنسبة لفوزي شئ مضحك بل مضحك جداً يستلزم بالضرورة النياهاهاها..
وقوع قطعة جبن من ساندوتش تأكله, هو سبب منطقي جداً لأعاصير النياهاهاها..
و جود بقعة عصير على كم قميصك الكاروهات هو ملهاة ما بعدها ملهاة و سبب وجيه للنياهاهاها..
و قوف ذبابة على كشكول زميلتك الأصفر هو مبرر لنوبة نياهاهاها مزلزلة..
لا أعرف كيف يربط الألوان و الأشياء و الأشخاص و الأمكنة ببعضهم لتتشكل في مؤخرة رأسه تلك الصور التي يراها شديدة الإضحاك.. فلا يقدر على لجم نفسه, و لا على منع (فشته) من العوم في محيط لا ينتهي من عبث الفكاهة و الضحك و الجنون..
كثيرون حسدوه على سعادته, و أخذه للأمور بهذه البساطة و المرح..
كثيرون اعتبروه (عبيطاً) و (دماغه بايظة) و مجنون رسمي..
و الأكثرية رأوا فيه نموذجاً لا مثيل له في الإزعاج و فرض النفس و الغتاتة و الغلاسة الخ..
لكنهم كلهم أجمعوا على تسميته (فوزي نياهاهاها)

إفادتنا الوحيدة من فوزي جاءت من تسببه (بغير قصد) في إفساد بعض المحاضرات المملة التي تود لو تنتهي بعد مرور خمس دقائق.. أو في منحنا فرصة للسخرية من الأستاذ المحاضر دون نيل أدنى أنواع العقاب!
فحين لا تقدر على منع نفسك من الضحك عندما يقوم الدكتور (صدّيق أزعة) فجأة بالنظر إلى سقف المدرج ليتذكر شيئاً ما كان يريد قوله, كان فوزي ينقذنا ب ال(نياهاهاها) فتذوب و تختفي ضحكاتنا (المحبوسة), داخل هذا (التسونامي) الرهيب, لينال فوزي وحده كل التوبيخ و الغضب من الدكتور أزعة, و يتم طرده من المحاضرة و هو لم يكمل بعد النياهاهاها التي لم يكن سببها ذلك الأمر الذي جعلنا نضحك, بل لسبب آخر تماماً قد يكون أن فوزي لاحظ بأن زميلته التي بجانبه تكتب بخط صغير جداً !
و في محاضرة الدكتور (عبد الله أرنوب) المملة جداً كانت نياهاهاها فوزي هي طريقنا الوحيد لإنهاء المحاضرة بعد أن يتعكر مزاج و هدوء الدكتور أرنوب و يصاب بالصمم, و يتمتم بعبارة (كان يوم أغبر لما جيت هنا يا كفرة) ثم يخرج من الباب و هو لا زال لا يدرك ماذا حدث أو حتى لماذا..
من الجائز أن نياهاهاها فوزي تلك المرة كانت بسبب تذكره لشكل قطعة الجبن و هي تسقط من ساندوتش كنت تأكله أمامه منذ بضعة شهور!

لازمنا فوزي طوال المرحلة الجامعية, و ظل قابعاً في حياتنا بعد ذلك..
لم يتغير أبداً, و لم تتغير النياهاهاها, ظلت تحتفظ بجبروتها و فاجعيتها..

إلى أن جاء ذلك اليوم الذي اختفى فيه فوزي, بدون سابق إنذار لم يعد فوزي موجوداً بيننا..
كان من النادر أن لا تجد فوزي بجانبك في معظم المواقف و الأحداث التي تمر بحياتك.. في السرّاء و الضرّاء..في اليوم الحلو, و في اليوم المر.. تجده هناك حيث (أنت) باقتحامه و فرضه للأمر الواقع, بحتمية وجوده في حياتك..
إن كنت عضواً في "جمعية ضحايا فوزي نياهاهاها" و مررت بتجربة قاسية, موت عزيز, (زمبة) من حبيبة, اكتئاب.... ستجد فوزي أول القادمين لمواساتك, و الوقوف إلى جانبك للتخفيف عنك, التخفيف عنك حتى بنكتة (جديدة) من نكاته (القديمة) تعقبها (نياهاهاها) أخرى..
كذلك في لحظات فرحك و سعادتك و نجاحاتك القليلة, ستجد فوزي نياهاهاها بجانبك ليشاركك فيها, بوجوده معك, و أيضاً بنكتة جديدة قديمة تعقبها نياهاهاها..

في بداية فترة اختفاء فوزي كنا نشعر براحة و سكينة لا نعرف مصدرها..
بعدها أدركنا أن ثلاثة شهور قد مرت دون أن تزلزلنا النياهاهاها..
اعتقدنا وقتها أن الحياة ستبدو أجمل بدون فوزي و بدون النياهاهاها..
لم نكلف أنفسنا عناء السؤال المنطقي: أين ذهب فوزي؟ و لماذا اختفى؟
يبدو أننا خفنا أن نبحث عنه بعد أن بدأنا نعود لحياتنا (الطبيعية) قبل دخول الجامعة, و قبل أن بختارنا فوزي نياهاهاها لنكون صحبته.. ربما افتقدنا ذلك الهدوء القديم, و تعودنا عليه من جديد بدون فوزي..
هكذا استطعنا أو (حاولنا) أن نسقط فوزي من ذاكرتنا, كأنه لم يكن موجوداً بيننا من الأساس..

لكن بعد ذلك.. تعجبنا كثيراً من أنفسنا حين بدأنا نفتقد وجوده بيننا..
هل كان نوعاً من الإدمان المفروض و الاعتياد؟ هل أحببناه دون أن ندري؟
هل كان يفهم الحياة أكثر منا, هل قصرت عقولنا عن إدراك حكمة ما تسكن في النياهاهاها؟
أم أن الامر لا يعدو كون (فوزي نياهاهاها) المزعج المقتحم أصبح واقعاً مرتبطاً بأيامنا؟

بدأنا رحلة البحث عن فوزي.. و اكتشفنا (للأسف) أننا لم نكن نعرف شيئاً عنه و عن حياته, رغم أنه كان يعرف أدق تفاصيل حياتنا, و يحفظ بقدرة غريبة كل تواريخ ميلادنا, و مناسباتنا السعيدة و الحزينة.. كان يذكرنا قبل أسبوع بأن الخميس القادم هو اليوم الذي ولد فيه شريف, و أن الثالث من شهر أغسطس القادم هو ذكرى زواج عادل..
لم نجده في أي مكان.. و كأنه كان حلماً أو سراباً أو وهماً يسكننا..
المعلومة الوحيدة التي حصلنا عليها أنه ترك شقته الصغيرة بالمنيل و (التي كان يسكنها بمفرده) منذ خمسة أشهر و لم يره أحد من وقتها..
أين رحل فوزي؟ لا احد يعرف
لماذا رحل فوزي؟ لا أحد يعرف

لم يعد أمراً مستغرباً أن نشعر أننا نستمع من بعيد, من بعيد جداً إلى النياهاهاها حين يؤلمنا شئ ما..
لم يعد أمر مستغرباً أن نشعر بأننا نستمع للنياهاهاها في لحظة جميلة نعيشها..
نشعر بصدى النياهاها و نحن نتذوق قطعة بقلاوة, و نحن نشرب كوباً من عصير القصب من عند (عم فتحي)..
أو حين نشاهد فيلم سينما.. أو نركب قطاراً..
نشعر بصداها حين نبكي..
و حين نضحك..
نشعر بك يا فوزي و كأنك موجود في فسيفساء حياتنا.. و تفاصيلنا المنمنمة..

آآآه يا فوزي.. كم نفتقدك بينا.. و كم نحتاج لسماع النياهاهاها مرة أخرى بصوتك الأجش, و قلبك الطيب...
.......
انتهى
.............

ملاحظة:
فوزي اللي هنا غير فوزي الأقرع, و غير فوزي إعتصامات, و غير فوزي اليساري, و كمان غير فوزي بتاع النوكيا..
..................

أحه يا فوزي نياهاهاها..
أحه بجد.. وجعت قلبي..و أنا بكتبك!

الثلاثاء، أبريل ٠٤، ٢٠٠٦

فوزي الأقرع (1)


لم يزعجه أو يضايقه يوماًً أن يناديه أحدهم (فوزي الاقرع)..
هو بالفطرة يتمتع بطبيعة متسامحة, مسالمة, و هادئة, لا يحب الدخول في صدامات أو احتكاكات من أي نوع كان, هو من الأشخاص اللذين ينطبق عليهم وصف (ماشي جنب الحيط).. كل الأمور تجري على ما يرام مع فوزي..
قرعة فوزي الشهيرة, لازمته منذ طفولته المبكرة ربما نتيجة مرض جلدي و ربما لسبب وراثي يمتد إلى أحد الأجداد الأولين, حيث أن الأب و الأم و الإخوة الثلاثة كانوا يتمتعون بغزارة الشعر و بصورة أكثر من طبيعية.
تجاوز الثلاثين بقليل, تزوج ابنة عمه منذ خمس سنوات و أنجب بنتين.. يسكن في نفس البيت اللذي ولد فيه, لا زالت أمه تتمتع بصحة جيدة, الأب رحل هذا العام, و الإخوة كلهم تزوجوا و زياراتهم قليلة و (كل واحد ملهي في حاله) كما تتمتم الأم بمرارة كلما اشتاقت لأحدهم..
يعمل مدرساً في إحدى المدارس الابتدائية القريبة, و الأمور تجري على ما يرام و الحمد لله..
طفولته عادية جداً و لم يكن يعكر صفوها تهكم الأولاد و البنات على قرعته االملساء, لم يهتم حتى بإخفائها بقبعة,فقط كان يضع القبعة في الشتاء اتقاء للسعة البرد القارص لا أكثر و لا أقل..
لا توجد أحداث مميزة أو مهمة تستحق التوقف عندها في سائر مراحل حياة فوزي..
ملساء نعم (ملساء) هي الوصف الأنسب لكل تلك المراحل, الطفولة, الصبا, الشباب, الرجولة..
ملساء.. مرت الأيام ملساء كملمس قرعته.. لا منحدرات و لا منعرجات.. لا صواعد و لا نوازل..لا تضاريس.. لا نتوءات..

دهشتك ملساء.. يا فوزي
و الألم أملس.. يا فوزي
بسمتك ملساء.. يا فوزي
و الحزن أملس.. يا فوزي
صحبتك ملساء.. يا فوزي
و الحب أملس.. يا فوزي
أحلامك ملساء.. يا فوزي
و الموت أملس.. يا فوزي
حياتك ملساء.. يا فوزي
و (الوطن) أملس.. يا فوزي
كل أشيائك ملساء.. يا فوزي
و الأملس عادي و العادي أملس.. يا فوزي
كم تبدو قرعتك ملساء.. يا فوزي..
بالفعل يا فوزي.. لا نستطيع منع أنفسنا من مناداتك ب (فوزي الأقرع) كلما رأيناك..
إنت أقرع بالفعل.. يا "فوزي يا أقرع"!
.......
انتهى
................

ربما تكون هذه بداية لحدوتة .. و ربما تكون حدوتة اكتملت..
لا أدري بعد.. لذلك فضلت (ترقيم) العنوان.. لأنني بتّ أتوقع أن يفاجئني كل شخص يحمل اسم (فوزي) بأشياء لا أضعها في الحسبان.. و لا تخطر على البال..

أحه يا فوزي يا أقرع..

الثلاثاء، مارس ١٤، ٢٠٠٦

البدايات الأخيرة



هل هي عبقرية تزامن الموت ما يحدث في جسدي؟
هل يتزامن موتي مع موتكما لأني أحبكما لهذا الحد؟
كيف تتحلل خلايا جسدي قبل الوقت.. ذلك الوقت المحتوم؟
الطبيب لم يستطع أن يفسر لي سبب ما يحدث..
آخر مرة أخبرني أن مضادات (الأكسدة) ليست بالضرورة هي المقاومة..
تجاوزتما السبعين.. و أبلغ من العمر نصف أحدكما..
حينما أحلم.. أشعربالبعد الرابع يسخر من كل مجسمات يومي..
هل نموت في نفس اللحظة..؟
أيكون ذلك البعد الرابع الذي يقوم بإخراج سينما أحلامي, هو من يطلق علي رصاصة الرحمة؟
أنا بالفعل لا أستطيع تصور أو تحمل أن أراكما تذهبان هناك..
حيث لا رجوع..

أبي و أمي..
أختزن بداخلي كل تجعيدة في وجهيكما أو يديكما..
أختزن كل (آه) تخرج من ضلوعكما..
أختزن انحناءة الجسد حينما يكبر..
تتراكم فيّ كل التفصيلات الصغيرة..
يختزلني حلم مؤلم.. يعرف كم أعشق السينما
يبدع في الإضاءات.. في الزوايا..حركة الكاميرا على (كرين) يمتد عبر المجرات و يمخر السديم..
يتحول الحلم إلى ملحمة..
كل كادر ملحمة.. أجمل من كل كادرات مومياء شادي عبد السلام بجنون..
لماذا تبدع أحلامنا أكثر منّا؟
ربما لأننا لا نقدر على تحمل هذا الألم المدهش طوال الوقت..؟
كيف لا يحصد السيد "البعد الرابع" كل جوائز الأوسكار؟! أوسكار الدهشة.. أوسكار الموت و الحياة..

هل ما يحدث في جسدي هو هدية من عبق ذلك الإبداع؟
لم أصدق للحظة واحدة أن قدراتنا ما وراء الطبيعية يمكن أن تخرج عن إطار حلم مدهش.. يعقبه استيقاظ و فنجان قهوة, و جريدة الصباح..

أتحلل..
أواصل التحلل..
ربما اقترب الوقت..
اقترب كثيراً..
أحبكما..
................................



أحه بحبكم بجد!
......